الذهبي

61

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

تمكّنوا من قتال الثّغر ، ولا تمكّنوا من قتالنا ، وخندقوا على نفوسهم عدّة خنادق ، فما تمكنّا من قتالهم . وقدّموا إلى الثّغر أبرجة [ ( 1 ) ] من خشب أحرقها أهله . وخرجوا مرّتين إلينا يبغون غرّتنا ، ينصرنا اللَّه عليهم ، ونقتلهم قتلا ذريعا ، أجلت إحدى النّوبتين عن عشرين ألف قتيل منهم . والعدوّ وإن حصر الثّغر فإنّه محصور ، ولو أبرز صفحته لكان بإذن اللَّه هو المكسور . ويذكر ما دخل الثّغر من أساطيلنا ثلاث مرّات واحتراق مراكبهم ، وهي الأكثر ، ودخولها بالسّيف الأظهر ينقل إلى البلد الميرة . وإنّ أمر العدوّ قد تطاول ، ونجدته تتواصل ، ومنهم ملك الألمان في جموع جماهيرها مجمهرة وأموالها مقنطرة . وإنّ اللَّه سبحانه وتعالى قد قصم طاغية الألمان ، وأخذه أخذ فرعون بالإغراق في نهر الدّنيا ، وإنّهم لو أرسل اللَّه عليهم أسطولا قويّا مستعدّا يقطع بحرة ، ويمنع ملكه ، لأخذنا العدوّ بالجوع والحصر ، والقتال والنّصر . فإن كانت بالجانب الغربيّ الأساطيل ميسّرة ، والرجال في اللّقاء فارهة غير كارهة ، فالبدار البدار . وأنت أيّها الأمير أوّل من استخار اللَّه وسار ، وما رأينا أهلا لخطابنا ، ولا كفؤا لإنجادنا ، إلّا ذلك الجانب ، فلم ندعه إلّا لواجب عليه . فقد كانت تتوقّع منه همّة تقد في الغرب نارها ، ويستطير في الشّرق سناها ، ويغرس في العدوة القصوى شجرتها ، فينال من في العدوة الدّنيا جناها ، فلا ترضى همّته أن يعين الكفر الكفر ، ولا يعين الإسلام الإسلام . واختصّ بالاستعانة لأنّ العدوّ جاره ، والجار أقدر على الجار ، وأهل الجنّة أولى بقتال أهل النّار . ولأنّه بحر والنّجدة بحريّة ، ولا غرو أن تجيش البحار . وأن يذكر ما فعل بوزبا وقراقوش في أطراف المغرب ، فيعرّفه أنّهما ليسا من وجوه الأمراء ، ولا من المعدودين في الطّواشيّة والأولياء ، وإنّما كسدت سوقهما ، وتبعهما ألفاف أمثالهما . والعادة جارية أنّ العساكر إذ طالت ذيولها ، وكثرت جموعها ، خرج منها وانضاف إليها ، فلا يظهر مديدها ولا نقصها .

--> [ ( 1 ) ] في الأصل : « برجة » .